أعلان الهيدر

header ads

بين منطق السوق وحق المواطن في الدواء: صرخة الصيادلة تتجدد



بقلم: د. حسن الشاديلي – دكتور صيدلاني


في سياق يتسم بتصاعد الجدل حول مستقبل قطاع الصيدلة بالمغرب، يستعد مهنيّو القطاع لتنظيم وقفة احتجاجية سلمية يوم 9 أبريل أمام مجلس المنافسة بالعاصمة الرباط، تعبيرًا عن رفضهم لمقترحات تروم تحرير رأس مال الصيدليات، وما قد ينجم عنها من تحولات عميقة في بنية القطاع ووظيفته الاجتماعية.


يُعد قطاع الصيدلة أحد الأعمدة الأساسية للمنظومة الصحية الوطنية، إذ يضم حوالي 14,300 صيدلي موزعين عبر التراب الوطني، إلى جانب 56 مؤسسة صناعية دوائية و66 شركة لتوزيع الأدوية. ورغم هذا التنوع، فإن النقاش العمومي غالبًا ما يختزل إشكالية غلاء الأدوية في الصيدلي، في حين أن قراءة متأنية للأرقام تكشف صورة مغايرة.


فوفق توصيات منظمة الصحة العالمية، يُفترض توفير صيدلية واحدة لكل 5000 مواطن، بينما يسجل المغرب معدل صيدلية لكل 2600 مواطن، وهو ما يعكس وجود منافسة قوية—بل مفرطة—داخل القطاع. وبالتالي، فإن الحديث عن غياب المنافسة لتبرير تحرير رأس المال يفتقر إلى الأساس الموضوعي.


أما على مستوى الأرباح، فإن نظام تسعير الأدوية بالمغرب يقوم على أربع شرائح محددة بدقة:

من 10 إلى 298 درهم: ربح بنسبة 33.9%

من 298 إلى 994 درهم: ربح بنسبة 29.7%

من 994 إلى 2099 درهم: ربح ثابت في حدود 300 درهم

من 2099 إلى 89,716 درهم: ربح ثابت لا يتجاوز 400 درهم

وتُظهر هذه المعطيات أن الصيدلي لا يستفيد فعليًا من ارتفاع أسعار الأدوية الباهظة، حيث يظل هامش ربحه محدودًا وثابتًا، لا يتجاوز 400 درهم حتى وإن بلغ ثمن الدواء عشرات الآلاف من الدراهم. 

وهو ما يدحض الادعاءات التي تم الترويج لها في بعض التقارير، خاصة تلك الصادرة عن المجلس الأعلى للحسابات، والتي أشارت إلى نسب أرباح مرتفعة تصل إلى 57%، دون تمييز بين فئات الأدوية.


في المقابل، يبرز الدور المحوري الذي تلعبه المؤسسات الصناعية الدوائية في تحديد الأسعار، حيث تهيمن 56 مؤسسة على سوق الإنتاج، وسط حديث متزايد عن نفوذ لوبيات قوية تتحكم في كلفة الدواء، بعيدًا عن رقابة فعالة أو نقاش عمومي شفاف.

وفي الوقت الذي يؤكد فيه رئيس مجلس المنافسة أن هدف الدولة يتمثل في تخفيض أسعار الأدوية، يعبّر الصيادلة عن دعمهم لهذا التوجه، خاصة فيما يتعلق بالأدوية مرتفعة التكلفة (الشريحتين الثالثة والرابعة). بل إن نظام الأرباح الحالي يجعلهم غير متضررين من أي تخفيض محتمل، مادام هامش الربح فيها ثابتًا.

غير أن التخوف الحقيقي يكمن في تداعيات إدخال منطق رأسمالي صرف إلى قطاع ذي طبيعة اجتماعية وصحية. ففتح المجال أمام استثمارات مالية كبيرة قد يؤدي إلى إعادة تشكيل السوق بشكل يُقصي الصيدليات المستقلة، ويُحول المهنة من خدمة صحية قائمة على القرب إلى نشاط تجاري محكوم بالربحية.


إن ما يطرحه الصيادلة اليوم ليس رفضًا للإصلاح، بل دعوة لإعادة توجيهه نحو معالجة الاختلالات الحقيقية داخل منظومة الدواء، بدل تحميل المسؤولية لطرف لا يتحكم فعليًا في تسعير الأدوية.

وفي ظل هذا الوضع، تظل الوقفة الاحتجاجية المرتقبة محطة مفصلية، ليس فقط للدفاع عن كرامة المهنة، بل أيضًا لحماية حق المواطن المغربي في الولوج العادل إلى دواء آمن وبسعر مناسب. 

إرسال تعليق

0 تعليقات